تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

 القبس الثلاثون:

{أولئك لهم الأمنُ وهم مهتدون} [ الأنعام:82 }

  هذا القبس من كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ ورد في سياق قصّة إبراهيم ـ عليه السلام ـ مع قومه الوثنيين الصابئة عبّاد الأصنام والكواكب والنجوم، ومحاجّتهم له في التوحيد بعد إبطاله معبوداتهم: { وحاجّه قومه قال أتحاجّونّي في الله وقد هدان..} وكانوا قد خوّفوه بطش آلهتهم المزعومة كما هي عادة المفتونين من أهل الشرك والأوثان المخدوعين بها، فردّ عليهم قائلاً ومتحدياً وواثقاً: { ولا أخاف ما تشركون به.. } لكنّه استثنى قائلاً: { إلا أن يشاء ربّي شيئاً.. }

وذلك أنّ الداعي إلى التوحيد قد يُبتلى ببعض الأذى من أهل الشرك على سبيل الاختبار والامتحان له ولغيره، فيظنّ الجهلة أنّ ذلك من آثار اتباع التوحيد ونبذ الشرك، فجعل المشيئة في حصول ذلك لله وحده سبحانه، وأكّد ذلك بقوله: { وسع ربّي كلّ شيء علماً أفلا تتذكّرون}..

ثمّ عقد مقارنة بين آلهتهم ـ التي لا تسمع ولا تعقل ولا تنفع نفسها فضلاً عن غيرها ولا تضرـ، وبين الله سبحانه وتعالى خالقها وخالق كلّ شيء، فقال : { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنّكم أشركتم بالله ما لم ينزّل به عليكم سلطاناً.. } وهي مقارنة مفحمة لكلّ من له عقل صحيح متجرّد للحقّ، فأيّهما أحقّ بأن يُخاف ويُحذر:  حجارة لا تضرّ ولا تنفع ، وكواكب مسيّرة لا تملك من أمرها شيئاً فضلاً عن غيرها، وأضرحة قد حوت عظاماً قد أرمت.. أم ربّ الأرباب ومسبب الأسباب سبحانه وتعالى، الذي بيده ملكوت كالّ شيء؟!

  وبعد هذه المقارنة المفحمة، وجّه لهم هذا السؤال الحاسم:  { فأي الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون }، ولم ينتظر منهم جواباً، ـ لأنّهم لضلالهم واتباعهم لأهوائهم لا يملكون الجواب الصحيح، وإن كان أكثرهم مقرّاً به في الباطن ـ، فختم محاجّته لهم بحقيقة عظيمة أعلنها على رؤوس الأشهاد: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون }، والمراد بالظلم في هذه الآية كما فسّره النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لأصحابه: الشرك الذي حقيقة تعلّق القلب بغير الله محبّة أو خوفاً أو توكلاً أو رجاءً أو غير ذلك ممّا لا يجوز صرفه إلا لله ـ عزّ وجلّ ـ.

 فأهل التوحيد هم أهل الأمن التام والهداية والإيمان، وبقدر نقص التوحيد يكون اضطراب الأمن والإيمان. وإنّ من أعظم لوازم الإيمان ومقتضياته: العناية بتحقيق التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود الشرعية، فهذه ـ مع غيرها من مقتضيات الإيمان ـ كفيلة بإشاعة الأمن والاستقرار في المجتمعات، وترك ذلك أو التهاون به سبب لاختلال الأمن وضياعه:

        إذا الإيمان ضاع فلا أمانا         ولا دنيا لمن لم يحي دينا

  فالعلاقة بين الأمن والإيمان وثيقة جداً، وما اختلّ الأمن في بلد من البلاد إلا بسبب الإخلال بالتوحيد والإيمان، ولن يذوق بلد ـ مهما بلغ من القوّة والجبروت ـ طعم الأمن والاستقرار ما لم يحقق أهله ـ حكّاماً ومحكومين ـ التوحيد الخالص والإيمان الصحيح، ولذا قد ترى دولة هي من أقوى دول العالم مادياً وعسكرياً، وهي الأقلّ أمناً واستقراراً، وما ذاك إلا بسبب فقد الإيمان وضياعه، أو الإخلال بشيء من مقتضياته، والعكس صحيح، فإنّك قد ترى دولة هي من أقلّ الدول في القوة المادية، وهي الأكثر أمناً واستقراراً بسبب ما فيها من التوحيد والإيمان..

  وليس الأمن مقتصراً على الأمن المحسوس، بالقضاء على السرّاق واللصوص، والأمن على الأموال والأعراض والممتلكات والنفوس؛ بل هو شامل لكلّ جوانب الأمن، الفكرية والسلوكية والأخلاقية، فلصوص الفكر والأخلاق، من غلاة تكفيريين، وليبراليين علمانيين، ومفسدين منحلّين؛ أشدّ خطراً على أمن البلاد واستقرارها من لصوص الأموال والممتلكات.. بل إنّ اختلال الأمن الفكري سبب رئيس في اختلال الأمن الحسّي ، والعاقل ينظر ويتأمّل.

  وإذا كان هذا على مستوى الدول؛ فهو كذلك على مستوى الأفراد، فأكثر الناس أمناً وهداية؛ أكثرهم تحقيقاً للإيمان والتوحيد، والعكس صحيح.. والسر في ذلك أنّ الموحّد الذي تعلّق قلبه بالله وحده محبّة وخوفاً وتوكلاً ورجاءً.. ، قد استند إلى أعظم قوّة ، بل قد استند إلى من له القوّة جميعاً، وله العزّة جميعاً سبحانه.. وأمّا المشرك الذي تعلّق قلبه بغير الله، فقد استند إلى بيت هو أوهى من بيت العنكبوت، { فأي الفريقين أحقّ بالأمن إن كنتم تعلمون؟ }، ولذا أعقب الله هذه المحاجّاة بين إبراهيم ـ عليه السلام ـ وقومه بقوله سبحانه: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربّك حكيم عليم }. والله تعالى أعلم.