تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

هذا القَبَس ورد في كتاب الله ـ عز وجل ـ بهذا اللَّفظ في ثلاثة مواضع؛ في الأعراف وهود والشُّعراء، كلّهاعلى لِسان نبيّ الله شُعيب ـ عليه السلام ـ، وذلك أنّ قومه اشتُهروا بالغِشّ في المُعاملات، والتطفيف في المَكاييل والموازين، فبعث الله إليهم نبيّه شُعيب ـ عليه السلام ـ يدعوهم إلى عِبادة الله وحده، ويُحذّرهم مِن هذا العمل الفاجر، فما كان جوابهم إلاَّ أنْ قالوا ساخرين: { يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } [هود: 87]، هذه هي حُجّتهم، وهذا هو منطقهم، وهو ذاته مَنطق أهل العلمنة في هذا الزمن، الذين يفصِلون الدِّين عن الحياة وعن الدَّولة، وشِعارهم: ( دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر )، فليس هذا المنطق جديداً، بل هو قديم قدم قوم شُعيب، وكما قال أهل العلم: ( لِكلّ قومٍ وارث ).

   والبَخس في اللغة يُطلق على النقص، يقال: بخسه حقّه، يبخسه بخساً؛ إذا نَقصَه. ويُطلق على الظُّلم، وهو مِنه؛ فإنّ مِن الظُّلم أنْ تبخَس أخاك حقّه، فتنقصه(1).

   ويُلاحظ في التعبير القُرآني أنّه قال: {أَشْيَاءهُمْ}  ولم يَقل أموالهم ونحوِ ذلك، ليشمل كلّ شيء له قيمة، حِسّيّاً كان كالبَخس في المكاييل والموازين، أو معنويّاً كالإعتِداء على حُقوق الآخرين العِلميّة والفِكريّة والأَدبيّة، وما أكثر ما يحدث هذا من أدعياء العِلم والثَّقافة والفِكر والأدَب، لا سيّما في مجال التصنيف والتأليف والبحث العِلميّ، فحين تقصر هِمَم بعض الباحثين وتُجّار الفِكر وإمكانَاتهم العِلميّة والعَقليّة عن الإتيانِ بالجديد والمُفيد، فإنّهم يلجَأون إلى سَرقة جُهود الأخَرين وأفكارِهم، ثمّ نسبتها إلى أنفُسهم ظُلماً وزُوراً، ويتعمّدون إغفال ذكرِ أصحابها الحقيقيين، فهم كالذين قال الله فيهم: { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } [ آل عمران: 188]. وأمثال هؤلاء يجيدون الصعود على أكتاف الآخرين ومن ثم محاولة ركلهم إلى الخلف، وإثارة الغُبار عليهم حتّى لا يظهرَ في الصورة إلا هم، لكن يأبى الله إلاَّ أنْ يفضَحهم ولو بعد حين، فأين هؤلاء مِن هذا القَبس القُرآني الكَريم ؟..

   وحتَّى تكتمِل المُعادلة، لا بُدّ مِن الإشارة إلى أمر يُقابِل البخس والنقص، وهو الزِّيادة، وإِعطَاء الإنسان فوق ما يستحِقّ من المَنـزِلة والقِيمة، كما هي طريقة أهلِ النِّفاق والتَّصوّف المقيت، فلا إفراط ولا تَفريط، والله وليّ التوفيق.

 

 



 



 (1) انظر: لسان العرب: مادة ( بخس ).

{mosimage}   هذا القَبَس ورد في كتاب الله ـ عز وجل ـ بهذا اللَّفظ في ثلاثة مواضع؛ في الأعراف وهود والشُّعراء، كلّها