تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

   ليس هو أوّل من سمعته يستدل بهذه الآية هذا الاستدلال المنكر، بل سبقه إلى ذلك أحد الكُتّاب الليبراليين كما يسمّون أنفسهم، أعني قوله تعالى {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، لقد فهم دكتورنا الفاضل من هذه الآية معنى لم يسبقه إليه أحد من سلف الأمّة ومفسّريها، فقد فهم أنّ الأمر في الآية للتخيير، وأنّ من حقّ كلّ إنسان أن يختار ما يشاء من كفر أو إيمان، وحتى لا أكون متجنّياً فأنا أنقل نصّ عبارته من اعتذاره الأخير عن تأييده لمظاهرات البحرين، حيث أكّد ما كان يقوله من قبل في معنى هذه الآية، يقول -غفر الله لنا وله-: " الحقوق الدينية يجب أن تكون مكفولة،، ويجب أن ندعمها(!) "، ويقول: " من حقّ البشر أن يعبدوا ما شاؤوا ، وكيف شاؤوا، ونحن نحميهم(!) " فتأملوا ما تحته خط، فهو يعني أنّ عُبّاد الجرذان -مثلاً- وعُبّاد البقر بل حتى عُبّاد الفروج ـ أجلّكم الله ـ وغيرهم من الوثنيين، من حقّهم أن يفعلوا ذلك، ويجب علينا أن ندعمهم، ونحميهم!! أيّ حقّ يتكلّم عنه هذا (الدكتور)!!، وهل هذا هو معنى الآية الكريمة وما شابهها من الآيات!!، إنّ المعنى الصحيح للآية هو التهديد والوعيد لم اختار الكفر على الإيمان، كما يقول الوالد لولده المهمل: إن شئت فذاكر وإن شئت فالعب، فقد جهزت لك العصا.. فواضح أنّ الوالد لا يقصد أمر ولده باللعب أو تخييره بين اللعب والمذاكرة، بل يريد تهديده وتوعّده من أجل أن يختار الصحيح وهو الأوّل. وهذا ما فهمه أئمّة السلف من المفسّرين وغيرهم، قديماُ وحديثاً، وفيما يلي جملة من أقوالهم: 

   قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية: " يقول تعالى لرسوله محمّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ: وقل يا محمّد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربّكم هو الحقّ الذي لا مرية فيه ولا شكّ، {فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد, ولهذا قال: {إِنّا أَعْتَدْنَا} أي أرصدنا {لِلظّالِمِينَ} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه {نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي سورها ". (تفسير القرآن العظيم 3/ 101).

   وقال الإمام البغويّ ـ رحمه الله ـ: " هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: {اعملوا ما شئتم}[فصلت-40] " (معالم التنزيل: 5/167).

   وقال الماورديّ ـ رحمه الله ـ: " هذا وإن كان خارجاً مخرج التخيير؛ فهو على وجه التهديد والوعيد " (النكت والعيون: 3/303).

   وقال الشنقيطيّ ـ رحمه الله ـ : ظاهر هذه الآية الكريمة بحسب الوضع اللغوي ـ التخيير بين الكفر والإيمان ـ ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أنّ المراد في الآية التهديد والتخويف ـ أنه أتبع ذلك بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً}، وهذا أصرح دليل على أنّ المراد التهديد والتخويف. إذ لو كان التخيير على بابه لمّا توعّد فاعل أحد الطرفين المخيّر بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى ". (أضواء البيان: 3/266).

   وقال السعدي ـ رحمه الله ـ: " {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} أي: لم يبق إلا سلوك أحد الطريقين، بحسب توفيق العبد، وعدم توفيقه، وقد أعطاه الله مشيئة بها يقدر على الإيمان والكفر، والخير والشرّ، فمن آمن فقد وفّق للصواب، ومن كفر فقد قامت عليه الحجّة، وليس بمكره على الإيمان، كما قال تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ} وليس في قوله: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} الإذن في كلا الأمرين، وإنما ذلك تهديد ووعيد لمن اختار الكفر بعد البيان التامّ، كما ليس فيها ترك قتال الكافرين" (تيسير الكريم الرحمن: ص475).

   هذه طائفة من أقوال أئمّة التفسير في معنى الآية، ولم يقل أحد من المفسّرين ولا غيرهم من أئمّة السلف كما قال هذا الدكتور أنّ من حقّ الكافر أن يكفر، وأنّ من واجبنا أن ندعمه ونحميه!!!، فهذا افتراء على الشريعة، وكذب على القرآن .. 

   ثمّ إنّ دكتورنا الكريم ـ وهو يتحدّث عن الروافض وشتمهم للصحابة ويذكر أنّه يخالفهم في الأصول والفروع ـ قد وقع في خطأ فادح، حيث ذهب يتحدّث عن النصارى (أهل الذمّة)، وحمايتهم في المجتمع المسلم، ونسي أنّهم كانوا يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون كما قال القرآن، مقابل هذه الحماية، واستدلّ بقصّة عمر في كنيسة القيامة، ونسي أو جهل أنّ عمر نفسه هو الذي وضع الشروط العمرية القاسية في معاملة أهل الكتاب، لتمييزهم عن المسلمين، فهل يريد الدكتور أن نعامل الروافض معاملة أهل الكتاب، ونفرض عليهم الجزية مقابل حمايتهم؟ فإن قال: بل هم مسلمون، قلت إذاً يجب أن يُعاملوا معاملة المسلمين ويحاكموا على عقائدهم الفاسدة، ولا يقرّوا عليها ولو في بيوتهم، بل حتى العصاة لا يجوز إقرارهم على معاصيهم، فلا نقول للزاني مثلاً: ازنِ في بيتك فهذا حقّ لك، ونحن ندعمك ونحميك، لكن لا تجاهر بذلك! ونقول للوطي: لط في بيتك فهذا حقّ لك، لكن لا تجاهر به.. الخ،  لا أظنّ أنّ عاقلاً يقول بذلك..

   والمقصود أنّنا لا نُكره أحداً على الدخول في الإسلام، واتّباع المذهب الحقّ، لكن لا نقرّه على كفره وضلاله ومذهبه الفاسد، ونقول هذا حقّ لك مكفول، بل نبيّن له الحقّ وندعوه إليه إشفاقاً، ولذا قال الله تعالى في أول الآية: {وقل الحقّ من ربّكم} أي: أعلن الحقّ لهم وادعهم إليه، لتقيم عليهم الحجّة، ثم بعد ذلك يختاروا ما شاؤوا مع تحمّل تبعة هذا الاختيار.. كما أن من ارتدّ عن الإسلام يجب قتله ـ بعد الاستتابة ـ لحديث : ((من بدّل دينه فاقتلوه)) أخرجه البخاري في الصحيح، ولا يقال إنّ ردّتك حقّ لك، ونحن ندعمك ونحميك!!!. 

   ثمّ إنّ هذه الجزيرة العربيةـ جزيرة الإسلام ـ لها وضعها الخاصّ، فلا يجتمع فيها دينان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ففي السنن الكبرى للبيهقي  أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في مرضه الذي توفي فيه: ((لا يجتمع في جزيرة العرب دينان)) قال: فلمّا انتهى ذلك إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ أرسل إلى يهود خيبر فقال: إنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاملكم على هذه الأموال وشرط لكم أن يقركم يعنى ما أقركم الله ورسوله، وقد أذن الله عز وجل في إجلائكم حين عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما عهد.  فأجلاهم عمر ـ رضي الله عنه ـ كلّ يهودي ونصراني في أرض الحجاز ثم قسمها بين أهل الحديبية. وأصل هذا الحديث في الصحيح عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنّه سمع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم يقول ((لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما)) ، وفي رواية: ((أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)). [وهذا خطاب لولي أمر المسلمين وليس لأفرادهم] ، فإن كان الروافض يختلفون معنا في الأصول والفروع ـ كما قال دكتورنا الفاضل في كلمته الأخيرة، وهي شجاعة تحسب له ـ فهذا يعني أنّ لهم ديناً يختلف عن ديننا، فيجب إخراجهم من جزيرة العرب بنصّ الحديث السابق.  والله الهادي على سواء السبيل ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

 

د. محمد بن عبد العزيز المسند

عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه