تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 

 

   كثر الحديث في الآونة الأخيرة عما يسمى بـ ( نظرية المؤامرة ) ما بين مفرط في الإثبات ، ومغالٍ في النفي .. وإن خير ما يتحاكم إليه المؤمنون : كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونحن لو رجعنا إلى كتاب الله لوجدنا فيه الحكم الفصل في هذه القضية ، وفي غيرها من قضايانا التي نتنازع فيها ، كما قال تعالى : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً }(النساء:59) ، فماذا في كتاب الله حول هذه القضية ؟ .

   أقول ـ وبالله التوفيق ـ : لم يرد في القرآن الكريم ذكر لفظ ( المؤامرة ) ، ولكن وردت ألفاظ أخرى بالمعنى نفسه ، كـ ( المكر ) و ( الكيد ) .. قال الراغب الأصفهاني في المفردات : " الكيد ضرب من الاحتيال ، وقد يكون مذموماً وممدوحاً ، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر . وكذلك الاستدراج والمكر .. "

 

   وقد تأملت الآيات الكريمات التي ورد فيها ذكر هذين اللفظين ومشتقاتهما ، فظهر لي ما يلي :

أولاً : أن أغلب الآيات التي ورد فيها ذكر الكيد والمكر جاءت في حق الكفار ، وأعداء الرسل .

 

 ثانياً : أن الكفار ( يكيدون ) بالمؤمنين و ( يمكرون ) بهم ، قال تعالى { إنهم يكيدون كيداً }(الطارق:15) ، { وإذ يمكر بك الذين كفروا .. }(الأنفال:30) ويلاحظ مجيء اللفظ بالفعل المضارع الذي يفيد التجدد والاستمرار .

 

 

ثالثاً : أن كيد الكفار ومكرهم عظيم وكُبَّار ، حتى إنه من عِظمه لتكاد تزول منه الجبال الرواسي .. قال تعالى : { ومكروا مكراً كبّاراً }(نوح:22) ، وقال سبحانه { وإن كان مكرهم لِتزول منه الجبال }(إبراهيم:46)  .

رابعاً : أن كيدهم ومكرهم متواصل لا ينقطع ، قال تعالى حاكياً قول الأتباع لأسيادهم { بل مكر الليل والنهار .. }(سبأ:33) .

 

 

خامساً : أن كيدهم في ضلال وتخبط ، وإن ظنوا أنهم حققوا بعض أهدافهم ، قال تعالى { وما كيد الكافرين إلا في ضلال }(غافر:25) .

 

 

سادساً : أن كيدهم ومكرهم راجع عليهم ، طال الزمان أو قصر ، قال تعالى { أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون }(الطور:42) ، وقال { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله }(فاطر:43) .

 

 

سابعاً : أن هؤلاء الكائدين والماكرين بالمؤمنين جزاؤهم في الدنيا الصغار والعذاب الموجع والتدمير ، قال تعالى {سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون }(الأنعام:124)  ، وقال تعالى { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين }(النمل:51) .

 

 

ثامناً : أن كيدهم ومكرهم لا يغني عنهم شيئاً يوم نزول العذاب ، قال تعالى {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون }(الطور:46) .

 

 

تاسعاً : أن الله عز وجل يكيد للكفار كما يكيدون ، ويمكر بهم كما يمكرون ، وذلك على وجه المقابلة ، جزاءً وفاقاً ، وشتان بين كيد الخالق سبحانه ، وكيد المخلوق ، قال تعالى { إنهم يكيدون كيداً . وأكيد كيداً }(الطارق:16) ، وقال تعالى { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين }(الأنفال:30) ، وقال تعالى { وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعاً }(الرعد:42) . 

عاشراً : أن المؤمنين لا يخشون كيد الكفار ومكرهم ما داموا متوكلين على ربهم وخالقهم ، قال تعالى مخاطباً نبيه { قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون . إن ولييّ الله الذين نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين }(الأعراف:195) ، وقال تعالى حاكياً قول هود عليه السلام لقومه {.. فكيدوني جميعاً ثم لا تُنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم }(هود:55) .

 

 

حادي عشر : أن كيد الكفار ومكرهم لا يضر المؤمنين شيئاً إذا تمسكوا بأصلين عظيمين : الصبر والتقوى ، قال تعالى { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط }(آل عمران:120) . 

 

 

ثاني عشر : أن من كيد الكفار ومكرهم إلصاق تهمة التآمر والمكر بالمؤمنين لتنفير الناس عن دعوتهم ، قال تعالى حاكياً قول فرعون لموسى عليه السلام لما آمن له السحرة { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون }(الأعراف:123) .

 

ثالث عشر : أن من أهم دوافع الكيد والمكر هو الحسد ، قال تعالى { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ..}(البقرة:109) ، وقال تعالى حاكياً قول يعقوب ليوسف عليهما السلام { لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً .. }(يوسف:5) .

 

رابع عشر : أن للمؤمنين أن يكيدوا للكفار من أجل إظهار الحق وإشهاره ، وإبداء زيف ما هم فيه من الباطل ، وهذا من الكيد المحمود ، قال تعالى حاكياً قول إبراهيم عليه السلام { وتالله لأكيدنّ أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين }(الأنبياء:57) ، والظاهر أنه قال ذلك في سره كما قال شيخ المفسرين الطبري . 

   هذا ما ظهر لي من تأمل آيات الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والله تعالى أعلى وأعلم .