تقييم المستخدم: 2 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

  

قبل الغروب ، استيقظت من نومها متكاسلة .. نظرت إلى الساعة : أوه ، لم يبق على آذان المغرب سوى دقائق .. قامت مسرعة ، وتوضأت على عجل ، وصلّت العصر ، نقرتها كالعادة نقر الغراب .. وما إن فرغت منها حتى أُذن لصلاة المغرب ! ..

جلست قليلاً في مصلاها ثم قامت متثاقلة لتصلي صلاة المغرب نقراً كما فعلت بصلاة العصر ..

وما إن فرغت منها حتى تنفست الصعداء وكأنها ألقت عن كاهلها حملاً ثقيلاً ، وصدق الله (( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين )) ..

   طوت سجادتها ، ثم جلست تفكر ماذا تصنع .. آه ، تذكرتْ ، إنها اليوم مدعوّة إلى حفل عشاء تقيمه إحدى صويحباتها بمناسبة تخرج أخيها من إحدى الجامعات الغربية ! ..

انطلقت إلى غرفتها ، لتستعرض كل ما لديها من ثياب وحلي و( إكسسوارات ) .. ثم وقفت أمام المرآة طويلاً لتختار التسريحة المناسبة ، والألوان المتناسقة من أنواع المكياج والأصباغ ، حتى إن بشرتها لتكاد تصرخ من الضيق ، لكثرة الأصباغ التي أغلقت جل مسام وجهها ! ..

 وفي هذه الأثناء ارتفع صوت المؤذن منادياً لصلاة العشاء .. نظرت إلى الساعة .. أوه ، ما أسرع الوقت ، ثم قالت في نفسها : أصليها آخر الليل بعدما أعود ..

   وحان وقت الخروج ، فلبست عباءتها الناعمة المخصرة ، ونقابها الواسع الذي اختارته بعناية ، وامتطت سيارتها الفاخرة مع السائق الأجنبي ، ترافقها أختها التوأم .. لقد كانت تتطلع إلى قضاء ليلة ممتعة صاخبة مع صويحباتها ..

   وفي الطريق .. يا إلهي ، ما الذي حدث .. طلبتْ من السائق أن يتوقف قليلاً ويتنحى جانباً ..! سألتها أختها في دهشة : هل استجدّ أمر ، أم أنك نسيتِ شيئاً في البيت ؟! .. لكنها لم تجب .. وقد اغرورقت عيناها بالدموع ، ووضعت يدها اليمنى على قلبها ..

 سألتها أختها للمرة الثانية بصوت مرتفع : ما بالك يا أختاه ، هل تحسين بشيء ؟ .. قالت بصوت ضعيف مرتعش ـ وقد ألقت برأسها على فخذ توأمها ـ : لا أدري ، ولكني متعبة .. وصمتت برهة .. ثم قالت : إنني يا أختاه أخاف الموت .. هل سنموت حقاً ؟ .. هل سأفارقك وأدفن وحدي يا من شار كتيني الرحم وساعة الولادة ..

   طلبتْ منها أختها أن تكف عن هذا الكلام .. فهي ما تزال في عز شبابها ..

   وفجأة .. صرخت ، وقالت : آه .. سأموت الآن ، إني أرى ما لا ترين ، إني سأبتعد عنك وأنا بجوارك ، وسينخلع ثوبي من جسدي ، وأنا التي لبسته للتو ..

   فبكت أختها بكاءً هستيرياً ، وباتت مشلولة الفكر .. مسلوبة الإرادة ، لا تدري ماذا تصنع ، وأقبل السائق مسرعاً ليستطلع الأمر ، ويستفسر عن سبب البكاء ، فلم يجد جواباً ..

   وفي اللحظات الأخيرة ، نظرت إلى توأمها نظرة مودع ، وقالت بصوت متحشرج : أخيتي .. رغم عنجهيتي  وتكبري عليك إلا أني أطلب منك طلباً .. فكما تعلمين أني مقصرة في صلاتي ، متساهلة في أمر ديني ، فأكثري لي من الدعاء عسى ربي أن يرحمني .. فشهقت شهقة ، ودعت بعدها الحياة .. وصرخت أختها باكية : أخيتي ، أخيتي ..  لكن البكاء لا يغني شيئاً ..

   وفي اليوم التالي ، جيء بها وهي محمولة على الأكتاف لتوارى في بيتها الجديد ، فلم تغرب شمس ذلك اليوم إلا وهي ـ وحدها ـ رهينة التراب .. قد فارقت الأهل والأحباب ..

   وغابت الشمس (1)  .

ــــــــــــــ

(1) أصل هذه القصة كتبتها لي منذ زمن إحدى الأخوات من دولة البحرين .